محمد بن جرير الطبري

171

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أصابه به فيكون بفعله إنما يستحق به العقوبة من ربه ؛ لأن الله عز وجل قد وضع الجناح عن عباده فيما أخطئوا فيه ولم يتعمدوه من أفعالهم ، فقال في كتابه : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وقد يراد في هذا الموضع بالدم : العفو عنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يقول تعالى ذكره : ومن لم يحكم بما أنزل الله في التوراة من قود النفس القاتلة قصاصا بالنفس المقتولة ظلما . ولم يفقأ عين الفاقئ بعين المفقوأة ظلما قصاصا ممن أمره الله به بذلك في كتابه ، ولكن أفاد من بعض ولم يقد من بعض ، أو قتل في بعض اثنين بواحد ، وإن من يفعل ذلك من الظالمين ، يعني ممن جار على حكم الله ووضع فعله ما فعل من ذلك في غير موضعه الذي جعله الله له موضعا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ . . . وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ أتبعنا ، يقول : أتبعنا عيسى ابن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك يا محمد ، فبعثناه نبيا مصدقا لكتابنا الذي أنزلناه إلى موسى من قبله أنه حق وأن العمل بما لم ينسخه الإنجيل منه فرض واجب . وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يقول : وأنزلنا إليه كتابنا الذي اسمه الإنجيل . فِيهِ هُدىً وَنُورٌ يقول : في الإنجيل هدى ، وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه ، وَنُورٌ يقول : وضياء من عمى الجهالة ، وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يقول : أوحينا إليه ذلك ، وأنزلناه إليه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التي كان أنزلها على كل أمة أنزل إلى نبيها كتاب للعمل بما أنزل إلى نبيهم في ذلك الكتاب من تحليل ما حلل وتحريم ما حرم . وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يقول : أنزلنا الإنجيل إلى عيسى مصدقا للكتب التي قبله ، وبيانا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتقين في زمان عيسى وموعظة لهم ، يقول : وزجرا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال ، وتنبيها لهم عليه . والمتقون : هم الذين خافوا الله وحذروا عقابه ، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله ، وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل فأغنى ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ اختلفت القراء في قراءة قوله : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ فقرأ قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين : وَلْيَحْكُمْ بتسكين اللام على وجه الأمر من الله لأهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه . وكأن من قرأ ذلك كذلك أراد : وأتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه . فيكون في الكلام محذوف ترك استغناء بما ذكر عما حذف . وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة : " وليحكم أهل الإنجيل " بكسر اللام من " ليحكم " ، بمعنى : كي يحكم أهل الإنجيل . وكأن معنى من قرأ ذلك كذلك : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وكي يحكم أهله بما فيه من حكم الله . والذي يتراءى في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى ، فبأي ذلك قرأ قارئ فمصيب فيه الصواب ؛ وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابا على نبي من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه ، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه ، فللعمل بما فيه أنزله ، وأمر بالعمل بما فيه أهله . فكذلك الإنجيل ، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى ، وأمر بالعمل به أهله . فسواء قرئ على وجه الأمر بتسكين اللام أو قرئ على وجه الخبر بكسرها لاتفاق معنييهما . وأما ما ذكر عن أبي بن كعب من قراءته ذلك : " وإن أحكم " على وجه الأمر ، فذلك مما لم يصح به النقل عنه ، ولو صح أيضا لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورة ، إذ كان معناها صحيحا ، وكان المتقدمون من أئمة القراء قد قرءوا بها . وإذا كان الأمر في ذلك على ما بينا ، فتأويل الكلام إذا قرئ بكسر اللام من " ليحكم " : وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل ، فيه هدى ونور ،